… ويبقى السابع من تشرين البوصلة

في الروزنامة التي كانت تعتمدها دولتا لبنان وسوريا قبل انحلالهما أخيراً تشرينان. يصادف في الثاني من التشرينين عيد استقلال لبنان، وآخر نسخة من هذين الشهرين أتت بالكثير من الأحداث على البلدين الشقيقين تاريخياً. غالبية هذه الأحداث كانت متوقّعة، حتّى استشهاد السيد حسن نصرالله، فمن كان يتوقّع ألّا يقضي في المواجهة الأسمى والأقدس؟ أحداثٌ أخرى كان يصعب توقّعها حتّى قبل أسبوع. لكن قبل الدخول في كل ذلك، فلنعدْ عاماً ونيّفاً إلى الوراء، إلى الخانة في الروزنامة التي تمثّل اليوم التشرينيّ الذي غيّر مجرى التاريخ.
قرّرت صباح ذاك السبت الخريفيّ ثلّة من المقاومين القسّاميين في غزة أنّهم لن يبقوا منسيّين حتّى لو أضحت ذكراهم أرواحهم ودمهم. كان على رأسهم أبو إبراهيم السنوار الذي واجه الاحتلال حتّى آخر رمق، وكان هذا الاحتلال قد ضاق به ذرعاً إلى درجة أنّه اضطرّ إلى نشر صور قتله التي جعلت منه أسطورة ستقضّ مضاجع الاحتلال إلى حين زواله. تبعت ذاك اليوم الذي سيبقى مجيداً حرب إبادة ثأرية في قطاع غزة وحروب أخرى كانت مُعدّة للقضاء على المقاومة وفكرتها في دول طوق فلسطين لأنّ الزمن زمن التطبيع وفقاً لروزنامة المحتلّ وسيّده المستعمر. كان ما كان ودُفعت وتُدفع الأثمان، واليوم هناك من يحمل الآلة الحاسبة ويضغط أزرارها ليستنتج إن كان الحساب رابحاً أم خاسراً. حساب السابع من تشرين الأوّل - أكتوبر 2023 كان فاضحاً للمستتر وكاشفاً للنفاق.
مهما قالت الآلة الحاسبة، كانت بطولات السابع من تشرين والتضحيات التي تلته عربوناً من دفعة كانت ستُدفع عاجلاً أم آجلاً إذا ما قرّر الشعب مواجهة الاحتلال والذي لا خيار للشعب إلّا مواجهته. يحاول الكثيرون اليوم التشكيك في جدوى تلك العمليّة وجدوى كلّ عمليّة سبقتها ولحقتها، وحتّى جدوى أن تفكّر في محاولة مقاومة محتلّ. حجّة عديمي الأخلاق هؤلاء دائماً هي أنّ ثمن المقاومة باهظ ولا تستحقّ محاولات التحرّر تلك التكلفة. لا تكشف حسابات تلك الآلة كلفة الاستسلام، وقد عاينّا عيّنة صغيرة منه، والذي طالما وُصف مرتكبوه بأنّهم الخاصرة الأضعف في وجه عدوٍّ لا تظهر له خواصر بذلك الضعف. ويبقى السابع من تشرين مجيداً وقليل الكلفة مقارنة بالبديل.
يفرح اليوم كثرٌ من أهل مشرقنا بسقوط طغيان، ويقلق كثيرون آخرون خبروا التجربة ليذوقوا الأمرّ من بعدها، لكن لا يأسف ويحزن أحدٌ على من سلّم واستسلم. نهايات أمثال يحيى السنوار هي بدايات لتاريخٍ جديد تكتبه الأجيال التي استوحت من صموده وستثأر لاستشهاده. هناك آلافٌ من «يحيى» ساندوا فلسطين في ظلّ إبادتها وهمّ قلّة مقارنةً بمن باعها مجرّد كلام. هناك محاولة لإظهار «يحيى» على أنه مجنون لا عقلاني كلّفنا كثيراً من الدم وأن العاقل هو من اختفى. من ضحّى في إسناد السنوار لم يفعل ذلك كرمى لشخصٍ أو لفعلٍ جبّارٍ حدث صدفة صباح ذاك السبت في تشرين. ما حدث في السابع من تشرين هو النهج الحتمي لحريّة فلسطين حتماً، وسوريا ولبنان والأردن وغيرها من الدول المتحلّلة في ديارنا.
هناك في روزنامة هذه البلدان كانونان بعد التشرينين وقد يفوقان الشهرين الفائتين حماوةً. الفرح لا يدوم كثيراً في ديارنا. منتصرو الغفلة سيروّجون بقوّة لغفلتهم. لكنّ شتّان بين نهج ينتظر نصراً من غيمة، وما أكثر الغيوم في كوانيننا، ومن خلق عاصفة في تشرين أزالت ظل الغيم عن أجيال قادمة. في السابع من تشرين من العام الماضي ظنّ كثيرون أن تحرير فلسطين وحريّة شعوب المنطقة باتا أقرب. لم يخطئ الظن مَن ظن ذلك. كبارٌ من قومنا ضحّوا بأنفسهم مقتنعين بأنّ تضحياتهم تمهّد لطريق القدس. لن يُخذلوا ولن تُخذل تضحياتهم. طريق القدس كانت ولا تزال تمرّ من حيث يجب أن تمرّ، ومن يستوهمون غير ذلك هم مجرّد مطبّات في الطريق.
